أيام في مراكش

أحاول ما استطعت أن أدون أسفاري وخواطري العابرة في الرحلات الطويلة. وكل مرة يتأكد عندي أن الكتابة مهمة صعبة. ويتأكد عندي ان صاحب المجلدات الطويلة والانتاج العلمي أو الأدبي المتتابع هو بل شك صاحب نفس ملتزمة وثبات دائم وصبر عظيم. أكتب أحيانا السطر والسطرين ثم أقف. يغلبني العجز ويأخذ بقلمي العي كأنني لم اكتب حرفا من قبل. زرت أسبانيا قبل فترة وتنقلت في أراضي العرب العظيمة وقفت على أطلالنا الدراسة الباكية. وبكيت على مدخل الحمراء وأغرقتني سحابة حزن وأنا أسير في أروقة جامع قرطبة.

قطعت جسر قرطبة عشرات المرات ووقفت أتأمل النهر العظيم والمآذن الساحرة. ووقفت على سواحل مالقة. وتعلق قلبي بنقوش بني الأحمر تصرخ صادقة : ”لا غالب إلا الله“ في كل زاوية وعلى كل سارية، لكنني أعود فلا أقوى على كتابة شيء. الكتابة تأتيك أحيانا بلا استئذان ولا خبر فتجد نفسك منطلقا كالنهر. وأحيانا تتقصد مواضع القطر فلا تجد إلا الجفاف القاسي والحجارة الصماء. ومن جرب الكتابة يعرف ما أعني. أكتب أحيانا مرغما نفسي على الكتابة. آخذها بالعزيمة والصبر والتجلد. فأجد سطورا ثقيلة سامجة. العدم عندي أحسن منها. فأمحو أو أقدم وأؤخر لعل الله يفتح بفتح من عنده.

جالس في مقعدي في الطائرة بين اسطنبول ومراكش. تختلط في أذني الأصوات: صوت محرك الطائرة الرتيب. وضحكات السيدة المزعجة خلفي. وخطوات المضيفة تتنقل بين المقاعد. ولوحة المفاتيح المتكاسلة. بين لحظة وأخرى أسمع صوت الشفاط الذي تعرف. يقذف ما أكله الناس في مكان ما. مررت في طريقي على اسطنبول. تشجعت لطول وقت الانتظار على الخروج إلى منطقة السلطان أحمد. شجعني كذلك صديق تعرفت عليه في المطار. مشينا كثيرا كثيرا بعد أن ألقانا سائق الأجرة أمام المسجد الأزرق. تقهوينا ومشينا وأكلنا وتقهوينا مرة أخرى ثم عدنا للمطار لنتقهوى ونأكل مرة أخرى قبل أن نركب الطائرة. لا أريد أن أقول لك أننا تذاكرنا هذه النعم التي نحن فيها والجوع الذي هم فيه أطفال غزة. ثم نسينا كل شيء وعدنا للأكل والقهوة. وإنا لله وإنا إليه راجعون. كنت في أسطنبول في بداية الصيف قبل أشهر ولم نكن بهذه الحرارة. مررنا كذلك بالمسجد الازرق والزحام عليه من كل الناس = مسلمهم وكافرهم. التعري أفسد وقار المسجد وصار المنظر مقززا غريبا. وهكذا هو المال يفسد كل شيء. ويصير كل شيء سلعه تباع وتشترى حتى المساجد أطهر بقاع الله. لكن لعل الله يخرج من أصلاب هؤلاء من يؤمن بالله واليوم الآخر.

متجه كما قلت للمغرب وكلما علم أحد أنني ذاهب للمغرب ضحك ضحكة غريبة أو أطلق مزحة ساخرة. أفسد بعض نساء المغرب تصور الناس عن المغرب العربي وأهله ودينه ودين رجاله ونسائه الطيبين والطيبات. صار الناس لايذكرون عن المغرب إلا الجانب الذي تعلم وهم قلة قليلة من شرارها. والرحلة طويلة جدا. لك أن تعلم انني خرجت من بيتي في أبها الساعة ١٢ ليلا. والآن الساعة ٨ ليلا من اليوم التالي ولما أصل بعد. رفيقي في الرحلة : ”هروبي إلى الحرية“ لعلي عزت بغوفيتش. ولم أكن أعلم أن الكتاب فقرات وخواطر مفرقة لايربط بين كثير منها رابط. شدني منها أشياء كثيرة. منها رأي بدأت أميل إليه من قريب وأجد نفسي أحيانا أمارسه - وأستغفر الله -. ذكر ما معناه أن الكذب شر. لكنه أحيانا ضروري لتسير الحياة الإجتماعية بسلام دون خصام أو خلافات. ولا أوصيك هنا بالكذب والخداع. لكن أوصيك أن تحسن القول حال القول. وان تتعلم الصمت فلا تفصح عن كثير مما تعلم. والثرثرة قرينة البراءة أو قرينة الخبث. فلا تبادر إلى قول ما يفتح عليك باب أسئلة ليس لها نهاية. وربما اضطررت أحيانا إلى التورية والتعريض ، فيما تظن أن الصراحة فيه باب إلى الخلاف والجدل العقيم. هذا الأمر يسير على حديثك مع أصحابك في عملك ومع مديريك ومع أهل بيتك. ولو قال الإنسان كل ما يعلم لما بقي له صديق. ولو صدق الأنسان الناس فأسمعهم ما يحبون وما يكرهون لتقاتل الناس في الشوراع. بل تعلم الصمت والهدوء والإجابات المتأنية كما تتعلم حروف الهجاء. ودعك ممن يقول لك كن صريحا ولا تخف من أحد. فالصراحة باب عداوة وحنق. فلست ملتزما للإفصاح عن مالك وعن نفاصيل حياتك وماذا طعمت وماذا شربت وكيف حالك مع أهلك. وتحفظ ما استطعت التحفظ. على أن الإنسان بحاجة للافصاح لمن يثق به. إفصاحا يشتكي همه ويشارك الناس بعض أفكاره مما يخجل من ذكره أو يخشى من ذكره أو يرى أنها أفكار لم تنضج بعد. وتخير لكل حديث صديق. فما يصلح أن تقوله لفلان لايصلح لغيره. وقد تعرف في بعض أصدقائك حبا للتنافس وربما حسد يخفيه ويبديه. فلا تقل في حضرته ما يفسد نفسه وربما أفسد عليك صحبتك. ولا تغرق في المثالية وتقول ليس لي أصدقاء حسدة ، أو أصدقائي لا يطرق الحسد قلوبهم. بل إن الحسد والتنافس قد يكثر من المتقاربين. ولا تخلو نفس من حسد كما يقول الحسن البصري رحمه الله. فالكريم يخفيه والكريم يبديه.

قضيت أربعة أيام قصيرة في مراكش. ما انطبع في نفسي منها أن الناس طيبون كرام مضيافون. والصدق فيهم بارز والصراحة بينة. والمدينة قديمة ويظهر الفقر على أهلها في كل زاوية. مررت بسوق الكتب المستعملة فوجدت أكثرها كتبا مدرسية وفهمت أن الفقراء يقصدونها ليشتروا الكتب المدرسية المستعملة بأقل من نصف القيمة. ووجدت كتب حسن أوريد كاملة ويبدو أنها رائجة في المغرب. واتكيت تكوة مع صاحب إحدى هذه الدور. شاب فصيح مليح مريح. فأخرج مخطوطات قديمة بعضها لأجزاء من القرآن يبدو أنها من قرن ١٢٠٠ للهجرة. سقاني كوبا من الشاي الأخضر المغربي. ودعا أصحابا له وزملاء وتساقينا الشاي الأخضر والأحاديث في السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم الطاقة. ووضعنا نظريات مهمة تحل كثيرا من مشاكل العالم. كانت نصف ساعة وسط الشمس لكنها كانت غنية بالحياة. دعك من النظريات التي نظرناها. لكنها كانت مليئة بالتواصل الإنساني البسيط. وهذا المجلس بأصحابه لن يتكرر في هذه الدنيا إلا بمعجزة. ولذلك أدعو الله سبحانه أن يجمعنا بهؤلاء الناس في الجنة.

من أجمل ما في السفر عندي هذه العلاقات الإنسانية الهامشية. علاقات بلا مصالح ولا أهداف مشتركة. بريئة نقية. يحييها الإيمان بالله سبحانه ومرؤة العرب وفطرة الإنسان. وإلا لما يضيع الإنسان من وقته ونفسه وجهده دقائق مع من لا يراه بعد هذه اللحظة. ولحظات تنشغل فيها عن زبائنك لتعد كوب شاي لغريب لن تراه بعد اليوم لا يزينها إلا اعتقاد بإن هناك أبعاد في هذه الحياة أهم من التعاقد المادي المجرد. ولذلك تنتعش روحي بالجلوس مع من لا أعرف. نتبادل الأحاديث العميقة وربما العناق الساخن. ندعو لبعض بالسعادة والتوفيق والحياة المطمئنة. تغرقني هذه اللحظات وتملؤني بالبهجة لأنني كل يوم أصبحت أرى الجحود في الناس كثير. والامتنان يضمحل. والأنانية المفرطة تطغى. ومشاعر ”الاستحقاق“ تسطير على كثير من تعاملك اليومي مع الناس. في كل مكان بلا استثناء. يثقل علي والله أن يأخذ مني موظف الفندق شنطتي في الاستقبال ، أو يتولى السائق حمل حقيبتي عند باب المطار. وأجد نفسي أحمل الأشياء مع عامل المحل. أشعر أنهم يمتنون علي بفضل لا أقوى على رده بسهولة. وأقول والله لأنني أسمع كثيرا من يقول: وظيفته وشغله. هو هنا من أجل هذا! . ولعل من يقول هذا لايستحضر أن كل ما يجنيه هؤلاء المساكين في سنة يحصله في أيام معدودة. وأن هذه الوظيفة أو هذا الشغل هي ليبقى متماسكا أمامك يسد جوعته وجوع من خلفه من زوج وولد. والعشاء الذي تتناوله أنت وأسرتك في المطعم الفاخر يفوق نصف ما يجنيه هذا المسكين في شهر. والمناسبة التي تقدمها لضيوفك هي ما يجنيه عدة أشهر. صدقت! هي وظيفته وشغله لكنني لا أطلب منك إلا قليلا من الإنسانية والإمتنان. لذلك آنس كثيرا بالغرباء البسطاء. يكفيه منك لتملأ يومه ابتسامة صادقة ودعوة صالحة وأحيانا زيادة بسيطة على السعر المتفق عليه. ومن حولك من الناس ينهشونك ولا يشكرونك. ويستهلكون وقتك وعمرك وصحتك ونفسك ولا تجد منهم إلا قليل شكر عند السعة أو عند الرضى. ولذلك: اسوأ الخواطر الذي يداهمك يقول : أنت تضيع وقتك مع من لا يستحق. وأنت لا تنال من بعض من حولك إلا الخسران الذي لن يتبين لك إلا بعد سنين. وسنواتك العابرة لا تغير الحجر. وبعض الناس أقسى من الحجر.

١٤٤٧ هـ

سبعة كتب - ١٣

وإن الحياة مارثون ليس له نهاية. وقيد لا ينفك منك. وحلم لا ينتهي إلا بالموت. مارثون لو غفلت بقيت تجري في مساراته الكثيرة متنقلا بينها لا تدري إلى أين. نحن نقرأ حتى نرتاح. نقرأ لنجلس على قارعة المارثون نتأمل الراكضين. ونتنفس بارتاح وسكينة. ونشرب الماء ونحتسي القهوة على مهل. ثم نتابع الركض .. حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. هذه خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.



١) من لندن إلى مكة : إيفلين كوبولود

تجذبني كثيرا كتب الرحلات. ورحلات الحج غالبا مليئة بالمشاعر والمعاني العظيمة. هذه الرحلة لسيدة وجدت نفسها مسلمة كما تقول. لكن نشأتها في المغرب العربي كطفلة تلغي عنصر المفأجاة من الموضوع. وصلت لمكة أيام الملك عبدالعزيز وزات مكة والمدينة. والكتاب هذه المرة عادي جدا ولم أجد فيه شيئا يستحق. وكعادة الغربيين الذين يزوون المنطقة هناك رسائل في الكتابة حول أهمية الواحد منهم وكونه يتلقى معاملة خاصة. ونحن نخطيء في المبالغة في تقدير الغربي لشكله ولونه. الكاتبة كذلك لديها فهم مختلف للنصوص وشيء من النسوية الخفية. أكثر الأمور جمالا في قصتها هو ما حصل بعد موتها حين وصت بأن تدفن في قمة من قمم سكوتلندا. وحين بحثت عنه وجدت أن مجموعة من المسلمين ذهبوا لزيارة القبر الوحيد النائي في مكان بعيد. رحمها الله وغفر لها وتقبلها في الصالحين. وجدت لعدد من المؤسسات العالمية تقريرا عنها.

٢) حياتي الفكرية - عبدالوهاب المسيري

هذا الكتاب اقتنيته قبل سنوات طويلة جدا. تزيد عن خمسة عشرة سنة. أقول ١٥ وأنا أشعر بثقلها على لساني ونفسي. فالأعمار تمر سريعا سريعا دون أن نشعر. والكتاب على أنه من المفترض أن يكون كتابا للذكريات والتجربة الفكرية إلا أنه لا يخلو من ثقل وتعقيد أسلوب المسيري ومصطلحاته الصعبة. والكتاب اختصر لي تجربة العيش في أمريكا بطريقة أكاديمية عميقة جدا. مفسرا ما يصعب على العابر فهمه وتفسيره بسهولة بل حتى مجرد إدراكه. ولكل من يسألني عن أمريكا وتجربة الحياة فيها وصعوبة فهم المجتمع وتناقضاته الكبيرة أحيله مباشرة لكتاب المسيري “حياتي الفكرية”.

٣) البومة العمياء وقصص أخرى - صادق هدايات

الرواية في قدر كبير من الكآبة والحيرة والضياع. ومؤلفها كان صادق في كآبته وحيرته وضياعه حتى قتل نفسه بعد ذلك بسنوات.

٤) الماء في الحضارة الإسلامية - خالد عزب

كتاب لطيف صغير حول المياه وتاريخ المياه في الحضارة الإسلامية وبعض الفنون والطرق في معرفة الماء وتخزينه وحفظه.

٥) - The art of the good life رولف دوبيلي

يمكن تجربة العنوان إلى : “ فن الحياة المطمئنة”؟ من أجمل ما قرأت منذ فترة طويلة في فن التعامل مع الحياة وضغوط الحياة والعمل. والكتاب فيه مفاتيح كثيرة لفهم الحياة والناس والعمل والتعامل مع مشاكل الحياة اليومية والأفكار العابرة. واستفدت من الكتاب كثيرا في محاولة فهم جديد لعلاقاتي بالناس من حولي وبعلاقتي بالمال والعمل. أنصح كل من يحسن الإنجليزية أن يقرأ هذا الكتاب.


٦) ميال - عبدالله ثابت.

أعوذ بالله من ضياع الأعمار والأوراق.


٧) نحو الجنوب - حسن أوريد

اقتنيت هذا الكتاب من مكتبة مستعملة في إحدى شوارع مراكش القديمة. ضمن مجموعة أخرى لحسن أوريد. والكتاب رواية تحكي شابا قرويا متدينا انتقل إلى الجامعة والمدينة فكان التحول في الافكار والمجتمع حوله أسرع من قدرته على التكيف والإدراك فجرفه التيار. والرواية تعبر عن مجتمعات لم تستوعب حجم التغير الذي حصل ويحصل على مستوى الأفكار والأخلاق وقيم المجتمع فلم تستعد له جيدا.


٨) الصمت في عصر الصخب - إيرلنغ كيغ

كتاب لطيف جميل قصير. والكاتب يعني بالصمت العودة للذات والهدوء والانعزال عن ضجيج العالم والأخبار ومواقع التواصل. وهو صاحب تجربة في الانعزال الطويل عن العالم. ويعتبر ذلك علاجا لأمراض العصر الصاخب. كتاب جميل ويقرأ على كوب من القهوة.


٩) ليس لدى الكولونيل من يكاتبه - غابرييل غارسيا ماركيز

قصة طويلة للمؤلف الشهير عن محارب قديم حارب بكل اخلاص ونزاهة ثم تقاعد وبقي ينتظر راتبه التقاعدي خمسة عشرة سنة. كل أسبوع يتجه للميناء ينتظر الرسائل القادمة لعل أحد القادمين يبشره بحقوقه الضايعة. لم يبق له من الحياة إلا ديك كان يشارك به ابنه القتيل في مصارعة الديوك. بقي له في الحياة شيئان: الديك والأمل في الشيك المنتظر الذي لم يصل.

سبعة كتب - ١

سبعة كتب - ٢

سبعة كتب - ٣

سبعة كتب - ٤

سبعة كتب - ٥

سبعة كتب - ٦

سبعة كتب - ٧

سبعة كتب - ٨

سبعة كتب - ٩

سبعة كتب - ١٠

سبعة كتب - ١١

سبعة كتب - ١٢

ماذا يأكل مريض القصور الكلوي؟

قائمة طعام مريض القصور الكلوي الشديد

مراعاة تقليل ملح الطعام وتقليل السوائل بحسب نصيحة الطبيب وبحسب كمية البول.


🥖 أولًا: النشويات (مصدر آمن للطاقة)

مسموح بها:

  • خبز أبيض أو عربي بدون نخالة

  • أرز أبيض مسلوق بدون ملح

  • مكرونة عادية بدون صلصة جاهزة

  • شعيرية

  • بطاطا مسلوقة بعد تقطيعها ونقعها لتقليل البوتاسيوم

  • بسكويت سادة


🍗 ثانيًا: البروتينات الحيوانية (باعتدال وتحت إشراف)

مسموح بها:

  • بياض البيض

  • دجاج منزوع الجلد مشوي أو مسلوق

  • سمك مشوي أو مطبوخ

  • لحم غنم هبر (قليل الدهن) مشوي أو مسلوق، مرة أو مرتين في الأسبوع، وبكمية لا تتجاوز 60–90 غرام في الوجبة.

تُمنع أو تُحد بشدة:

  • الكبدة، الطحال، الكلاوي

  • اللحوم المالحة أو المعالجة (نقانق، لانشون)

  • اللحوم المطهية بمرق جاهز أو مكعبات ماجي


🥬 ثالثًا: الخضار (قليلة البوتاسيوم + تحضير خاص)

مسموح بها بعد النقع والسلق:

  • كوسة

  • خيار

  • خس

  • فاصوليا خضراء

  • جزر (بكمية محدودة)

  • ملفوف

🔁 تُنقع وتُغلى ثم يُرمى الماء لتقليل البوتاسيوم.

يُقلل من:

  • طماطم

  • سبانخ

  • بطاطا غير منقوعة

  • بامية

  • بروكلي


🍎 رابعًا: الفواكه (منخفضة البوتاسيوم)

مسموح بها:

  • تفاح

  • كمثرى

  • توت

  • خوخ (غير معلب)

  • عنب

تُمنع:

  • موز

  • برتقال

  • مانجو

  • شمام

  • تمر

  • أفوكادو


🧂 خامسًا: الصوديوم (الملح)

🔴 التوصية العامة: تقليل الصوديوم إلى أقل من 2 غرام يوميًا

(أي أقل من ملعقة صغيرة ملح)

مسموح:

  • طهو الأكل بدون ملح

  • استخدام الليمون، الخل، الأعشاب الطازجة (نعناع، زعتر، بقدونس)

  • الثوم، الكركم، الكمون بكميات معتدلة

يُمنع:

  • الملح الزائد

  • مكعبات مرق الدجاج

  • المعلبات

  • المخللات والزيتون

  • الشيبس

  • الصلصات الجاهزة

  • بدائل الملح (لأنها تحتوي غالبًا على البوتاسيوم)


🧁 سادسًا: الحلويات

مسموح:

  • جيلي

  • مربى منخفضة السكر

  • سكر أو عسل بكميات صغيرة

  • حلى بالنشا

  • بسكويت غير مالح

يُمنع:

  • شوكولاتة

  • حلاوة طحينية

  • حلويات فيها مكسرات أو حليب مركز


🧊 سابعًا: السوائل

يُحدد حسب حالة المريض (كمية البول + التورم)

  • يجب حساب جميع السوائل: ماء، شاي، عصير، شوربة، وحتى الثلج

  • القهوة الخفيفة أو الشاي باعتدال

يُمنع:

  • مشروبات الطاقة

  • مشروبات غازية داكنة

  • العصائر المركزة

  • الشوربات الجاهزة

الصلابة النفسية

من فترة طويلة وأنا بعيد عن تفاصيل الأخبار وما يحدث في العالم. أتابع أخبار المحيط من فترة إلى أخرى حتى لا أتبلد أو أتحجر. لكن دون انغماس في التفاصيل أو المبالغة في الأحداث أو الزعم أنني أفهم جيدا ما يحدث العالم. أنا لا أفهم معظم ما يحدث في هذا العالم. أنا لا أفهم معظم ما يحدث في الحي ولا أعلم من يموت أو يمرض أو يصاب من الجيران في الحي. بل أحيانا لا أعلم ما تفاصيل ما يحدث في عائلتي القريبة. كثيرون مثلي. بل إنني أظن أن غفلة الناس عن المحيط القريب صارت أغلب وأعم مما كانت عليه. نحن الآن مشغولون بالمشاهير وتفاصيل حياتهم اليومية ومشغولون بأخبار الجديد في السوق من مطاعم ومقاهي ومشغولون بالوجهات السياحية المرتقبة. أعلم أن هذا تعميم شديد لكنني أرجو أن تفهم ما أعني بهذا. أعني أن انشغال الناس بما لا نفع فيه ولا تأثير لهم عليه صار الأغلب والأعلم.

قلت أنني فترة طويلة وأنا بعيد عن الأخبار وعن السياسة. لكنني من فترة قريبة صار لا يشدني في السياسة شيء مثل قدر الصلابة النفسية التي يحتاجها السياسي أو رئيس الدولة أو الملك .. إلخ.

وسط اهتماماتي ومشاغلي اليومية وما أنا مسؤول عنه من اعمال كثيرة تشتتني = أجد نفسي في لحظة أود فيها لو أتخلص من كل ما في يدي حتى أحافظ على ما تأخذه هذه الأشياء من استقراري النفسي وسلامة روحي من الشتات. الملك أو رئيس الدولة محاط بعدد لا محدود من المهام. هل تستطيع أن تتخيل؟ أنا لا يمكنني أن أتخيل. صحيح أن هناك عدد لا محدود من الموظفين والوزراء والعاملين والأجهزة والمؤسسات .. إلخ. لكن المسؤوليات كبيرة جدا جدا. قد تضطرب أنت بسبب خلاف بسيط في المنشأة وربما يصعب على بعضنا التركيز بسبب هم عابر في بيته أو عمله أو مستشفاه. وصاحب الأمر على شفا جرف حرب أو مأساة اقتصادية أو ثورة مضادة أو اتهامات لا تنتهي من حزب أو تهديد قومي. كيف ينام هذا الليل؟. ولذلك لا تستغرب أن تجد كثيرا في أدبنا الثناء على الشخص بالصلابة ورباطة الجأش وعدم المبالاة بالحوادث. اسمع المتنبي:

وَقَفتَ وَما في المَوتِ شَكٌّ لِواقِفٍ - كَأَنَّكَ في جَفنِ الرَدى وَهوَ نائِمُ

تَمُرُّ بِكَ الأَبطالُ كَلمى هَزيمَة - وَوَجهُكَ وَضّاحٌ وَثَغرُكَ باسِم

والناس يقفون أمام الملذات خائفين من المرض قلقين من المستقبل، وجلين من المجهول. لا تمر بهم الأبطال. بل تمر بهم النعم والخيرات. وهم بوجوه مكتئبة حزينة. وثغور عابسة مضطربة.

ولعل مما يهون هموم الإنسان على نفسه أن يذكرها بعظائم الأمور وما يقبل عليه الناس من مصايب وأحزان، وما على مكتب المسؤول من قضايا شائكة ليس لها حل. فتصغر المشكلة وتهون ثم إن الدنيا كلها بما فيها ومن فيها لا تستحق الحسرة ولا أن يتلوى أحدنا في الفراش يطارد الأفكار المتلاحقة ويدافع الهموم المتتابعة. فكل شيء بأمر الله سيمر ويعبر. ولن يبقى من التفاصيل شيء يذكر. وتأمل ما يحصل عندما يموت أحد من الناس ممن عاش كما يعيش الناس بصواب وخطأ. فترى أن كل حياته تتقلص إلى دعوات الناس له وثنائهم عليه. وقد عرفت من يبالغ في ذم رجل في كل مجلس. وذهب الرجل إلى ربه. فرأيت الذام يدعو له ويعدد محاسنه وخيراته وكأنه لم يذكره يوما بشر. ولذلك يجب ألا يقسو الإنسان على نفسه ، ويبالغ في لومها على الكلمة العبرة التي قد تفلت، أو الخلاف الذي أتى بلا حساب ،أو على التجاوز في العمل أو البيت. وليسع الإنسان إلى أن يكون إنسانا صالحا طيبا في الغالب. يسدد ويقارب ويصلح عيوبه الظاهرة ما استطاع. وستبقى العيوب تظهر وتختفي مهما سعى الإنسان واجتهد وعمل. لإنك إن ذهبت ستذهب إلى رب كريم عفو غفور يعلم نواياك واسرارك. ثم إن الناس ينسون التفاصيل والأخطاء العابرة إلا الحمقى وأهل الحقد والجهل. وسيدعون لك بالخير ويرجون لك رحمة الله الواسعة ويقولون: ”اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأوسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس“!. والثوب الأبيض في يومك تدافع عنه القهوة والغبار وما يسقط من أكل، وزيت السيارة، والجدار المتسخ، والبقعة التي على المكتب التي لم تنتبه لها، وبقعة تأتي من عجلتك في عمل أمر ما، أو ظنك أنك تستيطع المرور بين سيارتين سالما من الغبار. لكنك تجد أنك مسحت السيارة بثوبك الأبيض. والاتكاء العابر بعد يوم طويل على جدار الممر. والعرق الذي لا تقوى على دفعه في يوم حار. كل هذه وغيره أعداء ثوبك الأبيض النظيف. تدعو الله أن ينقي ثوبك من الدنس حيا وميتا. وتسأل الله كما يسر لك وأعانك أن ترتدي هذا البياض كل يوم وتجعله جزء من حياتك، أن يزيل عنك الأذى ويطهرك حيا وميتا وأن يجعلك في الأبرار الصالحين.

صفر ١٤٤٧

العودة سائحا إلى أمريكا!

قلبت الصفحة الأخيرة من كتاب العودة سائحا إلى كالفورنيا لغازي القصيبي. لم يعجبني فيه إلا ثلاث صفحات أو أربع في آخره. وهو كتيب قصير جدا. اليوم أعود سائحا إلى أمريكا بعد سنتين من الغياب. قلت: سنتان؟. بل هي ثلاث أو تزيد. مرت سريعة جدا جدا. لا يصقل الإنسان مثل التجارب. ولا يعرفك بالحياة مثل تقحم زحام الحياة. ولا يعرفك بنفسك مثل كشفك لنفسك في المواقف. والناس كلهم صناديق مغلقة حتى يفتحها لك العمل والتنافس في الدنيا والتسابق على الحياة.

ولولا التنافس ما أنكر إنسان من إنسان شيئا ولصافحتنا الملائكة في الطرقات. وأظن أنني ”تفقهت“ و“أبصرت“ و“أدركت“ من أسرار الحياة وفهمها وفهم الناس في السنوات الثلاث الأخيرة ما لم أدرك قبل ذلك. وحين ” بلغ أشده“ فهم حق الله عليه وفضل الناس عليه وواجباته للناس ولذريته من بعده. فقال: ”ربي أوزعني ان أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه. وأصلح لي في ذريتي إن تبت إليك وإن من المسلمين“.

جالس في صالة الأعمال أحتسي القهوة. أنتظر اقلاع الرحلة. متأبطا مذكرات عزيز ضياء ”حياتي مع الجوع والحب والحرب“. قطعت قلبي صفحاته المئة الأولى. حزن على حزن، إذا أخرجت الفرحة من بين ركامه تلاشت فلا تكاد تراها. كعادتي في كل سفر. أصحب كتابا أو كتابين. وربما زاد العدد. ولا أنصحك أن تقرأ هذا الكتاب في فترة حزن او كآبة تمر بها نفسك. ومفارقة أن اقرأه وأنا جالس في صالة الأعمال. أحتسي القهوة بعد القهوة وأتخير أطايب الثمر والشكولاته. وكل مرة أجد نفسي في هذه الصالات=أشعر انني في سجن كبير. وربما أجد نفسي إذا طال الانتظار أخرج من هذا السجن للحياة والحركة والانطلاق خارج هذه الأسوار المذهبة. فأمشي وأتحرك وأبحث عن زاوية أجلس فيها وسط الزحام. مرغما الشعور الموحي بالتميز والاختلاف والعلو. أحتسي القهوة بعد القهوة وأشعر بتخمة بعد لوح من الشكولاته، ويتساقط أمام عيني المهجرون من المدينة إلى الشام. مات عبدالغفور بالحصبة. وداوود بالتيفيود. ثم مات الطفل الثاني بالكوليرا. والشيخ يهرب من الفقر ويقاتله في شوارع حلب. وعساكر السلطان تتهاوى أمام الكفار. وفخري باشا لا يسلم المدينة. وأنا هنا أكافح دموعي. جالس على أريكة ناعمة. وأكواب القهوة تتهاوى بين يدي واحدا تلو الآخر. العربات تمر في حلب تفيض بالجثث الممزقة للجنود والمرضى. والمقابر الجماعية تحفر أمام ناظري. وأنا هنا أحزن وأتأثر وأمسح دمعة متطفلة بمنديل رقيق. أحسو القهوة أسرع وأسرع وأسرع. وأقلب الصفحة التالية ويدي تتحسس القطعة التالية من الشكولاته.

وصلت إلى مورقانتاون بعد رحلة طويلة. أصر أنس أن يأخذني من مطار واشنطن. أنس الحربي صديق من أصدقاء الغربة. من أذكى وألطف وأصدق من عرفت. تغيب عنه سنوات وتعود فتجد صاحبك الأول. تتشاركان الهموم والأفكار. وما ألذ تشارك الأفكار مع الأذكياء. أحيانا توهمك نفسك أنك جالس مع من يفهم فتبحر في أسرار نفسك، تبثها للناس، ثم في منتصف إبحارك تكتشف أنك اخطات خطأ كبيرا بفعلك هذا. تعيد السفينة إلى الشاطيء بأشرعة ممزقة. أخطأ السندباد الطريق هذه المرة. غادرت مورقانتاون ٢٠١٩ م. ولم أعد إليها من ذلك الوقت إلا اليوم. عقد من الزمان. تغيرت أشياء كثيرة في حياتي. تغيرت أنا كثيرا. أرتكبت أخطاء فادحة وارتكبت اخطاء صغيرة ووفقني الله لكثير من الصواب. عقد من الزمان؟ لا أكاد أصدق. ما زال ذهني يقول لي أن ٢٠١٦ م كان البارحة. غزا بعدها الشيب لحيتي. وغزا أجزاء كثيرة من شعر رأسي وأنا لست أنا. دائما نقول أن الزمان يمر سريعا والسنوات تسير كالريح. لكنني شعرت هذه المرة بقسوة المفاجأة الجديدة القاسية. لم يبق في مورقانتاون إلا القليل من الأحبة والأصدقاء. شوارعها تعرفني جيدا. في كل زاوية من زواياها ذكرى وقصة. المباني ما زالت كما هي لم تتغير كثيرا. المسجد مليء بالوجوه الجديدة. فُتح بين ذاكرتي وبين الزمن فتحا مبينا. فبدأت أسرد الأسماء لأصدقاء وأعداء ومعارف ومرضى. وإن الحياة لا تستقر على حال. مشيت أنا وأنس على Cheat lake ما يقارب الساعتين. أخذنا الحديث كل مأخذ. كان الجو أبرد من المتوقع وممطرا. دخل البرد أحشائي. ثم خرجت من مورقانتاون ولا أدري هل أعود مرة أخرى. دعني أقول لك: هذه المدينة صغيرة جدا. لاتصلح إلا لأولئك المسافرين إلى الداخل. المنسجمين مع الهدوء. المتناغمين مع الطبيعة. العاشقين للرتابة. الآلفين للاعتياد. المتفرجين على مسرح الحياة. ليست مثل واشنطن أو الرياض أو جدة. حيث الحركة لا تتوقف والأشياء تتغير والأحداث تتسارع. ولو اخترت مدينة مثالية لحياة هادئة لما اخترت إلا مثل هذه.

أمريكا صعبة على الفهم ومستعصية على الإدراك. دائما أردد هذا لكل من يسألني عن أمريكا وتجربتي فيها. أمريكا ليست ما تراه في الأخبار كل يوم ، وليست دونالد ترامب وليست بايدن. وليست المشردون في الشوراع وليست وادي السليكون. وليست المساجد الممتلئة بالمصلين، وليست المثلية وقضايا الجندر، وليست التعصب المسيحي اليميني، ولا اليسار المتطرف. ولا الفضاء واحتلاله. هي خليط من أشياء كثيرة يصعب تصور أن تكون في مكان واحد أو في وقت واحد. خرجت في زيارتي القصيرة إلى بيتسبرغ فصلينا في المسجد الأول. المسجد اسمه هكذا ” المسجد الاول“. مكتبة المسجد مليئة بكتب ابن تيمية وابن عثيمين وابن باز وكتب الحديث. في زاوية المسجد يجلس مسلم من أصول أفريقية يقرأ الأصول الثلاثة لابن عبدالوهاب. في الزاوية الأخرى مسلم بملامح صينية يقرأ في كتاب آخر لم أنتبه له. بارات الشواذ لا تبتعد قليلا عن هذا المكان الطاهر. في آخر الشارع أمريكية بيضاء تقدم المعسل ”الهوكة“ والشاي الأسود بالنعناع بمهارة عربي في إحدى شوارع الشام أو جدة. وتقول لي أن أمريكا يمكن فهمها؟.

زائر لأمريكا هذه المرة في وسط الشحن الإعلامي حول التطورات الجديدة في تعامل أمريكا مع المهاجرين والمسلمين. بعض أصدقائي المتابعين للأخبار كان يتوجس مما قد ألقاه في مطار واشنطن. وصلت مطار واشنطن فلم يستغرق جوازي مع موظف الحدود الأمريكية أكثر من ثلاثين ثانية. أمريكا في الشارع كما هي رغم كل الضجيج والصراخ في الإعلام. أمريكا ليست ما تراه في الأخبار كل يوم. أمريكا شيء آخر مختلف. شيء يستعصي على الفهم.

عد للأماكن القديمة. لكن تذكر أن الناس لن يعانقوك في الطرقات. لا ترفع سقف مشاعرك فقد تصدمك الوحشة ويسيطر عليك الاغتراب. لا أحد يعرفك. أنت رقم أتى وذهب. أنت رقم زائد أو ناقص في تعداد السكان. المدن لا تدري من أنت ولا في أي واد هلكت. عد للأماكن القديمة لتتأكد لك الفكرة. أنت لاشيء وإن الدنيا لا تحفل بك. لم يعلق أحدا لوحة يحتفل بوصولي حين ممرت بشارع جورج ميسون في أرلنغتون. لم تُطلق أبواق السيارات عندما قطعت شارع وسكونسن في جورج تاون. حارس الأمن أوقفني عند الباب عند مدخل المستشفى الذي كنت أقضي معظم يومي فيه. يسألني: كيف يمكنني أن أساعدك؟. بمعنى: ماذا أتى بك أيها الغريب. شرحت له فأعطاني ملصقا صغيرا عليه اسمي وصورة لا تدوم، وزيارة قصيرة لا تتجاوز الساعات. والأمريكان أكثر عملية في التعامل مع المشاعر. وليس في هذا الأمر ذرة ثناء. لن يتوقف أحد لتحيتك أو لدعوتك لكوب قهوة على عجل. الناس مطحونون في مكينة العمل والإنتاج. قابلت مجموعة من الزملاء في المستشفى. كان السلام باردا أبرد من الشتاء هذه السنة. السيد ”اكس“ الممرض الذي كنت أقابله كل يوم ونتحدث في أشياء كثيرة. صافحني بطريقة بارد جدا. بعد ثانية من اللقاء بدأ يحدثني عن انجازات ترمب. لم يسألني عن حالي أو كيف تسير الحياة. سألته سريعا عن منتجاته الزراعية ماذا فعل الله بها. فعرض لي ما أنتج هذه السنة من طماطم وفلفل وكوسة وبامية. حدثني عن أحلامه الفنتازية بالالتقاء بفتاة أسيوية تصغره بعشرين سنة. مميز في افتزاز من حوله من الناس. البقية ذهبوا. نائب البرنامح أعتذر أنه غير موجود وأنه لن يستطيع مقابلتي الليلة. زيارتي للمكان كانت مفاجئة ولذلك لم أتوقع استقبالا يختلف عن هذا. نحن نشعر بالإلتزام حتى مع من لا نحب والغريب يتفاجأ بحفاوة الاستقبال التي نمنحها الناس بعفوية. لم أطل المكوث في واشنطن وانطلقت إلى بوسطن حيث حضرت الكثير من المحاضرات وقابلت شيخي مايكل تشوي. تعانقنا بحرارة. تحدثنا في أشياء كثيرة. كان يحدثني عن أشياء لم يكن يحدثني عنها أثناء الطلب. عن أسرته وأبنائه وعن تفاصيل شخصية لا يذكرها الأمريكان كثيرا. تحدثنا في مواضيع الساحة والتغيرات التي حصلت في أمريكا السنوات الأخيرة. ولم يكن يتحدث أبدا في السياسة قبل هذا أبدا. كل من قابلت من الأمريكان وجدته متوجسا من مستوى حرية التعبير في أمريكا والحريات الفردية. لم ألحظ شيئا مختلفا بل كان دخولي لأمريكا سلسا سهلا. والأيام حبلى بكل جديد.

أنا في استغلاق شديد هذه الأيام. عقلي لايكاد يتحرك من مكانه. أشعر ببلادة شديدة. واستغلاق على الكتابة والتفكير وعلى الإنجاز. ”إنتاجيتي“ انخفضت بشكل هائل في الأشهر الأخيرة. أصارع نفسي على الكتابة والبحث والإنجاز فلا أكاد أنجز شيئا إلا حبوا. مكلف بعدة أعمال وبعضه اقترب أوانه وأنا عالق في وحل من التسويف والكسل والاستغلاق. اللهم افتح لنا فتحا من عندك. اللهم بارك فيما نملك. وزدنا من علمك وفضلك. لا تلكني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك. على هامش المدينة أنا. أتنعم بالصمت. وأحاصر نفسي بالجوع حتى يقرقر بطني. آخذ نفسي بالمشي حتى تكل قدماي. أسهر حتى تأخذ بي عيني. أنام حتى أجد ما يدعوني لليقظة. اقرأ حتى أمل. وأحاول أن أكتب فلا أجد من ذلك إلا آلام التفكير وشتات الخواطر. كل يوم يتبين لي أن الإنجاز يأتي مع الاستمرار. وأن الانضباط أساس الإنتاج. وأن الذكاء وحدة لا يصنع منك شيئا ما لم يصحبه الجد والصبر والإلتزام. وسلحفاة لا تتوقف أسرع من أرنب يقطعه الشتات. أفهمُ هذا جيدا، لكنه أمر صعب جدا جدا. ومعاناتي مع نفسي منذ سنوات أنني أحب في العلم أشياء كثيرة، وفي التخصص أشياء كثيرة ، وأحب السهر وأحب الصباح. ويعجبني الأدب والشعر وبعض الفقه وبعض الفلسفة. وتشدني القراءة في كتب الأصول والحديث. وأميل للفكر والسياسة والسير الذاتية. وأحب في تخصص الكلى غالب فروعه وأقسامه. ثم ماذا؟. تجد نفسك غارقا في أكوام من المهام والاهتمامات فلا أرضا قطعت ولاظهرا أبقيت. وأسأل الله الهداية والرشد والسداد.

فهمت اليوم سر انتشار محلات الدخان في أمريكا ووجودها في كل زاوية. وان تعجب فعجب أن تجد غالب من يملك هذه المحلات يمنيين من اليمن الشقيق الذي تعرف. قابلت يمنيا في المطار. فأغرقني بعفويته فتحدثنا قي كل شيء وعرفت من حديثه أن شريك مؤسس في عدد من محلات الدخان في أمريكا. ما اجرأ ”أبي يمن“ على تقحم الحياة. أو ما أقسى اليمن على أبنائها فشردوا في الأرض يبيعون الدخان والسجائر الإلكترونية للأمريكان!. ولأنني لست منافسا ولا أرجو أن أكون منافسا يوما ما. نشر بين يدي الأرباح الشهرية والسنوية وهي أرقام يسيل لها لعاب أهل الدنيا. رزقنا الله الرزق الحلال وبارك لنا فيما نملك. والغربة تظهر لك لذة المواطنة والتناسب. ومن الطريف أنني اليوم قبل أن ألقى صاحبي اليمني في المطار وقعت على هذا النص لعزيز ضياء في كتابه الذي ذكرته قبل أسطر. يقول: في الحب لابد من باعث هو في الغالب التعلق بالجمال وما يدخل في معناه من الرقة، والوداعة، وحلاوة المعشر .. إلخ. والحب بهذا المفهوم، أو هذا المعنى محكوم بالضعف والضمور، ثم بالزوال.. بغض النظر عن رومانسية قصص الحب التي ملأت رحاب الدنيا كلها، فلا مجال للشك في أن لها نهاية ما. وهذا ما تتميز به علاقة المواطنة إذ يستحيل أن يطرأ عليها الضعف والضمور وهي مشاعر لا تنحصر في إنسان بعينه. وأغرب وأعظم ما في خصائصها أن لها المقدرة على ان تحتوي الجميع. تحتوي من تربطك به علاقة معرفة، ومن لم يسبق أن رأيته قط. وقد تكون مرتحلا في بلد فتسمع وأن تتسوق أو تتنزه أو تقف في انتظار الحالفة التي تنتقل بها=تسمع من يتحدث إلى آخر ، وتدرك على الفور أنه من مواطنيك. فإذا بك تمد يدك إليه تصافحه وترحب به. ليرحب هو أيضا بك. وكل منهما لم يسبق له أن رأى الآخر قط. إنها المواطنة: مشاعرها التي تنطق من مكامن في النفس لا ترتبط بمكان أو زمان. وهي أشبه بالغريزة التي تحكم النفس متجاوزة حدود العقل والمنطق والإرادة“. والمعنى واضح صريح وإن اختلفنا في تسمية ما يصف الكتابُ هنا. ويحضر ذهني عددٌ من الأصدقاء الذين جمعتني بهم الصدفة في تقاطع مزدحم، أو بهو فندق بعيد. ثم تصافحنا ثم أخذ الحديث منا الوقت ثم تبادلنا الأرقام. ثم ألتقينا. تم تصاحبنا. وما زلنا حتى اليوم. وهذا أمر تدفعك إليه الغربة و ”كل غريب للغريب نسيبُ“.

عندما أركب الطائرة في الرحلات الطويلة أشعر في كثير منها بالرغبة في أن تطول الرحلة. فتدخل نفسي في حالة من غياب الزمان والمكان. صوت الطائرة الرتيب والانقطاع عن كثير من الحياة والانطلاق في الفضاء الرحب يدخلني في حالة شعورية أود أحيانا أن تطول. وأتعجب من هذا الشعور من نفسي حين استيقظ بعد نومة طويلة فأجد الشاشة تقول أن الهبوط سيكون بعد ساعة أو ساعتين. هل هو رهبة من العودة للحياة والروتين. خشية من الالتزامات والمشاغل اليومية المعتادة. هروب نحو اللاشيء في هذا الفضاء الواسع؟. ومع هذا أقول في نفسي اللهم لا تجعلني ممن يقول: ”ربنا باعد بين أسفارنا“.

أردد دائما كما ذكرتُ هنا أن أمريكا تستعصي على الفهم والإدراك. فهي خليط من تناقضات عجيبة. أظن أن من أدق ما وقعت عليه في توصيف أمريكا توصيفا دقيقا هو ما كتبه المسيري في أجزاء كثيرة من كتابه: ”رحلتي الفكرية“. زيارتي الأخيرة لأمريكا هذا العام ١٤٤٦ هـ بعد غياب لم يكن قصيرا جعلتني اتساءل مرة أخرة وأتأمل وأتفحص هذا البلد العجيب المتناقض. وخصوصا مع التغيرات المجتمعية والثقافية الأخيرة المصاحبة لظاهرة ترمب وصعود نسخة مختلفة من اليمين. والأيام دول. والحضارات تتوالى وتتساقط. ”وتلك الأيام نداولها بين الناس“!

بوسطن - شوال ١٤٤٦ هـ

كتاب: من على بوابة الأربعين




صدر لي قبل أيام هذا الكتاب القصير. أرسلته للمطبعة وأنا أرجو من القاريء أن يعتبرها أحاديث طريق وسواليف مقهى. مما نقطع به الأوقات. وربما وجدنا في أحاديثنا العابرة ما يفيد. 

الكتاب لدى مقهى ودار تشكيل. وسيكون في المكتبات قريبا! 

https://tashkeell.com/ar/ZYDmrXm


وفقنا الله وإياكم لكل خير 

سبعة كتب - ١٢

 

وإن الحياة مارثون ليس له نهاية. وقيد لا ينفك منك. وحلم لا ينتهي إلا بالموت. مارثون لو غفلت بقيت تجري في مساراته الكثيرة متنقلا بينها لا تدري إلى أين. نحن نقرأ حتى نرتاح. نقرأ لنجلس على قارعة المارثون نتأمل الراكضين. ونتنفس بارتاح وسكينة. ونشرب الماء ونحتسي القهوة على مهل. ثم نتابع الركض .. حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. هذه خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.




The psychology of Money 

الكتاب كان من توصية الصديق الذكي القاريء د.حسين الخالدي. والكتاب وإن كان يتحدث بشكل عام عن المال وعلاقة الإنسان به وكيف يفكر الإنسان فيما يتعلق في المال ونمائه إلا أنه بوابة إلى أشياء كثيرة مختلفة في تفكير العقل البشري وكيف يحلل الإنسان الأشياء شعر بذلك أم لم يشعر. منها كيف يظن الإنسان أن قراراتها اليومية واختياراته قائمة على فهم ووعي كامل للواقع بينما الحقيقية أن الواقع أكبر من أن يُدرك. وأهمية هذا النوع من النظر والتأمل يتعدى إلى أمور مثل قرارات الطبيب العلاجية - بصفتي طبيب - وكيف تُبني في أغلب الأحيان على معلومات ناقصة. سواء على مستوى التاريخ المرضى أو معرفتنا البشرية بالمرض وطبيعته. أحيانا يتخذ الطبيب قرارا ما ثم يتحسن المريض في اليوم الذي يليه أو تسوء حالته فيظن الطبيب أن قراره هو الذي فعل هذا بينما هناك أشياء كثيرة أخرى غير مسجلة. في مرة من المرات عالجت المريض بطريقة مختلفة - وإن كانت لا تخالف الأعراف العلمية - فرأيت تحسنا كبيرا في الأيام الذي تلي هذا القرار فسررت وحكيت لمن حولي التحسن الذي حصل للمريض بالفعل الذي فعلنا ثم اكتشفت بعد أيام أن الممرضة لم تعط المريض ما أمرتُ به. قراراتنا محدودة لا تقوم في أغلب الأحيان على ما يكفي من المعطيات لكننا نقرر . وهذه نعمة من نعم الله علينا أننا نغفل ولا ننتبه. ولو فكر الإنسان وحسب العواقب لكل شيء ما خطا خطوة واحدة.


٢) قصة الأندلس من الفتح إلى سقوط قرطبة 

كتاب مكتوب بطريقة أكاديمية يروي حكاية الأندلس من البداية لسقوط الخلافة. قرأت جزء منه قريبا من الوادي الكبير الذي يشق قرطبة. حاضرة الخلافة الإسلامية في الأندلس. يحكي قرطبة بني أمية وبعض من الحياة حول جامعها وقصورها. الجامع الجميل العظيم. لا يتحدث عما حصل بعد سقوط الخلافة ولا عن غرناطة وقصورها. 


٣) ديوان الحمراء - صلاح جرار 

الذي دلني إلى هذا الكتاب أنني كنت واقفا في قصر الحمراء فرأيت من بين النقوش نقشا يدل على قصيدة فعرفت بعضها لكن القصر والجنات مليئة بالنقوش والأبيات في كل مكان. فبحثت حتى وجدت هذا الكتاب لمؤلفه. يحكي المؤلف أنه زار الحمراء فعزم على أن يفك رموز هذا النقوش الشعرية في كتاب. وبقيت العزيمة معلقة عشرين سنة حتى فتح الله عليه وعكف على الآثار يصورها أثرا أثرا ويتتبع القصائد في مصادرها ويضع لك صورة للنقش والبيت تحته. وهو عمل مهم وجميل يستحق الاهتمام والتقدير. ونصيحتي لمن عزم على زيارة الحمراء أن يسبقها بقراءة هذا الكتاب الجميل. 


٤) رحلة الأندلس - حديث الفردوس الموعود . حسين مؤنس. 

وصلت لهذا الكتاب صدفة بتوصية من إذاعة مصورة "بودكاست" عن الأندلس. ووصف هذا الكتاب بأنه أقرب ما يكون للدليل السياحي. وجدت نسخة مستخدمة على مكتبة نوادر لكنها وصلت بعد أنا وصلت أنا الأندلس. وفهمت حين قرأته ما يعني المتحدث في الإذاعة المتلفزة بأن الكتاب كتاب تاريخي ودليل سياحي في الوقت ذاته. يبدو أن كاتبه عالم بالجغرافيا ومتضلع بتاريخ المكان. يصف لك الطرق والزوايا والقلاع وكأنما هو يصف راحة يده. ويحسن بالعازم على رحلة الأندلس أن يقرأه مبكرا قبل شد الرحال. فيرى المكان قبل أن يراه ويتأمل الزوايا قبل أن يلامسها ويحفظ بعض النقوش في ذاكرته فيقرأها سريعا. وفهم المؤلف رحمه الله للغة الأسبانية جعلته يرى ما لا يرى غيره ويتنبه لما لا يتنبه له الآخرون. ودلني كتابه هذا على كتاب آخر في تاريخ الأندلسي من ترجمته هو ( حسين مونس) لعالم مستعرب أسباني. على أن كتاب الرحلة هذا كُتب في حدود ١٩٤٠ م فربما اختلفت بعض التفاصيل. والكتاب مكتوب من قلب ممزوج بشجى الروح . تكاد ترى بين كلمات مؤلفه حزنه وشوقه وحنينه. بل تستشعره قريبا حين يقول لك في زوايا الكتاب مرات أنه ربما غرق في اللحظة حتى ظن نفسه في ذلك الزمان وهو يسير في طريق سار فيه ابن رشد وابن حزم وابن طفيل . رحم الله الجميع. 


٥) لاليء لقادة الطب الأكاديمي- مترجم 

اختار المترجمون الترجمة الحرفية لكلمة Pearls إلى لآليء. والكلمة تأتي بمعنى الحكم المستخلصة من تجربة عميقة. فهي عميقة ومختصرة وقصيرة في الوقت ذاته. الكتاب فيه كثير من الحكمة والتجربة. والمترجمان أكاديميان قريبان مما يحكيه الكتاب. وإن كان كثير مما فيه موجه إلى عمداء كليات الطب في أمريكا ممن لديهم صلاحيات أوسع ويتحكمون في ميزانيات كبيرة. 


٦) مباهج الكتابة وأوجاعها - همنغواي 

هذا الكتاب الصغير لم يقصد المؤلف أن يكتبه بهذا الشكل . بل ألفه بعد أحد الصحفيين فجمع ما كتبه الروائي الكبير من رسائل ونصوص تتعلق بالكتابة. وفيه مدونات وأحاديث يبدو أنها شخصية جدا ولم يرد الروائي لها النشر. وربما كان ضد نشرها من الأساس. أعجبني فيها سخريته اللاذعة للنقاد وتكلفهم في استنطاق المؤلفين والشعراء والزعم أنهم أعرف بالكاتب أو المؤلف من نفسه. وهو كتاب قصير ظريف. 


٧. مذكرات الحرب والحب والجوع - عزيز ضياء 

قبل أن ابدأ رحلتي بيومين بعثت رسالة إلى عدد من الأصدقاء تقول: “ اقترح علي كتابا واحدا لسفر طويل”. فاخترت اقتراح الصديق محمد المعربي لهذا الكتاب. والكتاب يبدأ بحياة الكاتب منذ عرف الدنيا. بدأها بمعاناة “السفربرلك”=تهجير أهل المدينة. والأحداث التي أدركها من تأثير الحرب العالمية. وصف بدقة كيف تطحن الحرب الضعفاء كما تطحن الجنود الأقوياء. الحرب في الشمال والناس تموت جوعا في الجنوب. الكتاب أدخلني في دوامات من الحزن والكآبة. وأنا ممن أقول أن الإنسان لابد أن يقرأ كل شيء حتى ما يدعوه للحزن لأن الحياة قاسية. وسرورك بها قد لا يدوم. والأيام دول. الكتاب من جزئين كل جزء يقارب ٣٥٠ صفحة تزيد أو تنقص. ومن أجمل وأقسى ما قرأت من فترة طويلة.


سبعة كتب - ١١

وإن الحياة مارثون ليس له نهاية. وقيد لا ينفك منك. وحلم لا ينتهي إلا بالموت. مارثون لو غفلت بقيت تجري في مساراته الكثيرة متنقلا بينها لا تدري إلى أين. نحن نقرأ حتى نرتاح. نقرأ لنجلس على قارعة المارثون نتأمل الراكضين. ونتنفس بارتاح وسكينة. ونشرب الماء ونحتسي القهوة على مهل. ثم نتابع الركض .. حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. هذه خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.


١) مذكرات وذكريات: عبدالكريم الجهيمان

مذكرات كتبها الجهيمان رحمه الله بلغة بسيطة جدا وسهلة. حكى فيها شيئا من حياته في القرية ونشأته ثم شيئا من عمله في الصحافة والإعلام والأدب. أزمنة مختلفة وأناس مختلفون . رحم الله موتى المسلمين. يهمني في قراءة السيرة محاولة الوصول إلى خلاصة التجربة. والتي يكاد يجمع عليها الكاتبون جميعهم. أن مراحل ومواقف الحياة التي رأيناها يوما ما مفصلية .. هي لاشيء مع مرور السنوات. وأن ما يشغلك الساعة حتى تكاد تشرق به، يتلاشى مع الأيام ويصبح نسيا منسيا.

٢) ثلاثية غرناطة: رضوى عاشور

سمعت كثيرا عن هذه الرواية وتوصيات غير منتهية. الرواية جيدة وأحداثها تدور في الأندلس في فترة تلاشي الدولة العربية والإسلامية من هناك . مجتمع مسلم يعيش تحت الاضطهاد الفكري والسياسي. تفاصيل المجتمع ومعاناته مع الاحتلال. أتصور أن الكاتبة تستحضر مأساة أهل فلسطين وهي تكتب الرواية.

٣) حياتك الثانية تبدأ حين تدرك أن لديك حياة واحدة - رافاييل جيوردانو

رواية قصيرة تدور أحداثها حول سيدة ثلاثينية مصابة بداء “الملل” رغم أنها تعيش حياة طيبة وكريمة. تصادف في موقف عابر رجلا حكيما يعيد تشكيل رؤيتها للحياة وبدأت تكتشف أن المشكلة في فهمها هي للحياة. لطيفة وفيها أفكار ملهمة.

٤) The book of how to get things done

كتاب لطيف وساخر. وفيه مفاتيح جميلة وبسيطة للتعود على الإنجاز الأشياء والانتهاء منها أو التخلص منها. قراءتي لها دفعتني لحذف ٤٠٠ بريد إلكتروني عالق. الكتاب جميل جدا جدا جدا.

صورة من الكتاب
صورة من الكتاب 

٥) فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال- ابن رشد

كتاب قصير . فاجأني فيه ابن رشد بتساهله في تكفير من يخالفه. . والكتاب ظاهر في سياق وزمان مختلفين.

٦) مؤتمر القاهرة ١٩٢١ م: قصة العشرة أيام التي شكلت الشرق الأوسط.

جهد ضخم لمؤلفه الكندي وجهد لا يقل ضخامة للمترجم. المترجم اسمه: أحمد العبدة. من فترة لم أمسك كتابا وأفرغ منه في جلستين أو ثلاث دون انقطاع. لعل هذا من حسنات انقطاع الأنترنت وغياب الإشعارات. يتحدث الكتاب عن تشكل الشرق الأوسط. وتحديدا العراق والأردن وفلسطين. كتاب مهم جدا.

٧) المحاكمة: كافكا.

من زمن يمر علي اسم كافكا. وربما قرأت له متفرقات وقرأت عنه هنا وهناك لكنني لم اقرأ شيئا له حتى وقعت قبل أيام على روايته “ المحاكمة “ وهي رواية عجيبة غريبة. تحكي قصة موظف بنك متوسط المكانة وجد نفسه في غرفة نومه محاصر باثنين يخبرناه أنه متهم في قضية وأنه معتقل. ولا يعلمان ماهي قضيته . وتسير الرواية وهو يكافح من أجل أن يعرف ما هي تهمته. رواية ساخرة وعجيبة ولا اظن أن صاحبها سالم من الأمراض.

سبعة كتب - ١
سبعة كتب - ٢
سبعة كتب - ٣

سبعة كتب - ٤

سبعة كتب - ٥

سبعة كتب - ٦

سبعة كتب - ٧

سبعة كتب - ٨

سبعة كتب - ٩

سبعة كتب - ١٠

أيام في الأرجنتين

 الكرة الأرضية قبل وبعد إيميلاتك المهمة

ليلة العيد ليلة غامضة عجيبة. لا هي رمضان ولا هي عيد. لاهي ليلة هادئة وقورة يعمرها الذكر والصلاة والقيام. ولا ليلة فرح وصخب وبهجة. مشاعري دائما فيها ثقيلة جاثمة. الشعور معلوم والوصف مستعص صعب. وهذا الشعور ليس جديدا علي. أعرفه منذ أدركت. وأظن هذا الأمر عند كثير من الناس. ألا ترى الناس في حيرة من أمر تلك الليلة حتى إنهم لا يدرون هل يتعشون أم يصبرون قليلا فـ يتسحرون ؟! . ثم يصبح الصباح فإذا هم مفطرون؟ وبعضهم يفوته العشاء ويفوته السحور ويفوته حتى الوتر في تلك الليلة. بعد أن كان يركع الركعات ذوات العدد. ذهولا وغفلة.

في مثل هذه الليلة من العام الماضي قبض أبي بيده على صدره، وقال لي وقليلا ما يقول: أحس أني تعبان. أخذته المستشفى وقضى وقضيت معه ليالي العيد في عناية القلب.

ألم أقل أنها ليلة غريبة؟

أنا أعلم ما هو الاكتئاب. أفهم أعراضه وعلاماته. المكتئبون زائرون دائمون لعيادتي. أحيانا أتجرأ وأصف أدوية الاكتئاب لمن أشعر أنهم بحاجة ماسة للدواء، حتى يقابلهم الطبيب النفسي. عرفت ما يقارب أربعين ليلة عيد. بعضها هي يقينا ليالي اكتئاب وحسرة. نوبات اكتئاب حادة وقصيرة. تأتي ثم تنقضي بتيسير الله.

القريب على سفر قد يطول. والحياة عجلة تطحن من لا يصبر عليها. والمشاغل تملأك حتى تقطعك. وأمان تسوقك نحو المنية. وراغب فيك على حرف. وقابل بك على مضض. وبعيد يرجوك وقريب يجفوك. ومسافرون لا يعلمون الوجهة. وسندباد لم ينظر في خريطة الكنز.ولحظات فهم لو استغرقنا فيها لأوردتنا مهالك، أو عرجنا بها إلى مدارج السالكين.

الليالي التي أسعى أواخر رمضان أن أقضيها جوار الحرم تعدل العام كله. مكان كريم. ووقت كريم. ورب كريم. وصحبة زالت معهم الكلفة. بين صيام وقرآن وصلاة وأكل وشرب وسواليف. نعمة عظيمة لا تسهل للناس كلهم. من جميل هذه الأيام أن الوقت ممتليء فلا أكاد أجد لحظة واحدة أفتح فيها البريد الإلكتروني أو أرد على رسالة من زميل أو مريض أو طالب. ولو عقل الإنسان ما تذمر من شغل ولا شكى.

أجمع شتات شملي وعفش رحلتي إلى الأرجنتين. بيني وبين سفارة الأرجنتين ٢٢ بريدا إلكترونيا بدأتها معهم من بداية شهر يناير ونحن الآن في بداية شهر أبريل. ثلاثة أشهر من المراسلات انتهت بمقابلة في فلة صغيرة في العليا يسمونها سفارة الأرجنتين. دخلت السفارة فقابلتني أخت كريمة يبدو أنها هي حارسة بوابة الأرجنتين. موظفة في السفارة على وظيفة “جسر التانغو”. أحضرت كل أوراقي ومستنداتي. أخذتها بلطف وكرم وبعد دقيقتين عادت تقول أن أوراقي ناقصة. تماسكت تماسك من يعلم أنه لابد للغريب من التماسك. وإلا فأنا صائم ومسافر. نازل من الطائرة عجل إلى سيارتي إلى السفارة ، ولم أنس الـ ٢٢ بريدا أنهيها كل مرة:

Please let me know if any further documents are required

ولم يقل أحد منهم أنني بحاجة لمستندات أخرى. لكنني تماسكت وقلت لها أنني سأبعث لكم المطلوب بعد مقابلة القنصل. ووافق جسر الأرجنتين على مضض.

علمتني الأيام أن هناك أشياء وأسرار للبلدان لن تعرفها ما لم تقترب منها بنفسك وجسدك. عند الاضطرار تظهر الأسئلة المهمة التي لا علاقة لها بالفضول المعرفي وحده. الفضول المعرفي يخبرك أن الاقتصاد في الأرجنتين يعاني ويترنح. وأن اليمين “المحافظ” يتولى قيادة البلاد. وأن العاصمة كبيرة بها ما يقارب عشرون مليونا وأن الناس يشربون المتة في الطرقات. وأنهم يقدسون اللحم وماردونا. لكن لا يقول لك أنك بحاجة لدولارات من فئة مئة ليزيد سعر الصرف ما يقارب مئة بيزو عن الفئات الأخرى من الدولار. وأن سعر الصرف الرسمي يختلف عن السعر في الشارع. وأنك قد تجد الناس يصرفون الدولار بالبيزو في الطرقات. لا يقول لك أن بحاجة لطارد بعوض قبل أن تصل ، لأنه منقرض من الأسواق بسبب زيادة حالات حمى الضنك. وأن البخاخ الواحد وصل إلى ٤٠ دولارا في بعض المناطق. هذه الأشياء لا يعلمك إياها الفضول بل تعرفها لأنها تمس يومك وتؤثر فيه. وكذلك الغفلة لا تقول لك أن الأرجنتين بعيدة وأن الرحلة إليها طويلة.

مستقلا الطائرة من فرانكفورت إلى الأرجنتين ثالث أيام عيد الفطر ١٤٤٥ هـ. سبقها طائرة من الرياض إلى فرانكفورت وست ساعات من الانتظار في المطار. ثم هذه الرحلة الطويلة التي تزيد عن ١٣ ساعة. كما ترى. لم أكن أعلم أن الأرجنتين بعيدة بهذا الشكل. أحب في الرحلات الطويلة أن أنام والناس يقظون وأن أستيقظ والناس نائمون. ولهذا الأسلوب مزايا عديدة. لا تتأخر عليك قهوتك. ولا تضطر للانتظار أمام الحمام. ولا تتحرج من التأخر للوضوء. ثم تجد مكانا إذا تيسر للصلاة إذا وافق وقت صلاة. والإرهاق يحرمك متعة القراءة ومتعة الكتابة. وإذا رزقك الله نومة طيبة استيقظت طيب المزاج منشرح الخاطر قادرا على قيادة يومك في البلد الذي تصل إليه. وربما نزلت من الطائرة إلى شغلك مباشرة. وقد كنت أتحسر على الساعات التي تذهب في النوم في السفر ثم صرت أبحث عنها لأنها تبارك لك بعد إذن الله ما أنت مقدم عليه من يومك. والناس نائمون وأن أكتب. ألهمني الله فركعت وتري. ثم صفيت بريدي الإلكتروني من ٤٧٠ رسالة كانت فيه. شجعني على ذلك هذه الصورة من كتاب وجدته في مكتبة في مطار فرانكفورت. وهذا الأمر يندرج على أشياء كثيرة في الحياة. فليس كل ما نمنحه من أهمية مهم.

لم يبتليني الله بحب مشاهدة الأفلام. وأظن أن أثر الأفلام على البشر خطير جدا. لأنه قد يسلب الإنسان عفويته في التعامل مع الأحداث والناس. ولم أر صديقا منغمسا في قراءة الروايات - والروايات والأفلام وجهان لعملة واحدة- إلا وهو مضطرب الحكم على الأشياء. والأفلام في هذا التأثير أسوأ وأخطر. أقول هذا بعد أن جرني تقليب الشاشة التي أمامي إلى مشاهدة فيلم ذي فكرة عميقة جدا جدا. تدور حول حول رجل صارم طيب لا يحسن التعبير عن مشاعره، ماتت عنه زوجته قبل ستة أشهر. وقد عزم على الانتحار حتى أبتلي بعائلة لاتينيه سكنت إلى جواره فغيرت حياته إلى حيث لا يحتسب. أفسد الفيلم المناظر المعتادة في كل الأفلام. ثم حشرهم لقضايا الجندر والشذوذ حشرا كعادتهم قاتلهم الله.

وصلت المطار. أخذتني موظفة الجمارك إلى غرفة قصية في تجربة ليست غريبة علي. قال لي الموظف أنه تأشيرتي غير موجودة على النظام لسبب ما. كنت يجلسني معه على المكتب ويقلب جوزات الناس ومعلوماتهم وأرقامهم بلا تحفظ ولا اهتمام وكأن خصوصية الناس لا تعتبر. أخرج الموظف جواله الخاص أكثر من مرة والتقط صورة لجوازي وتأشيرات وجوازات الناس وتأشيراتهم. هممت أن أنكر عليه ثم تذكرت أن انكار أمر مثل هذا مضيعة للوقت. لاحظت أنه يرسل الصور بالواتساب. الواتساب حكومة متجذرة متعمقة في كل أنحاء العالم. في كل زاوية فيه. بعد ساعتين من الانتظار الذي لا فائدة منه ، تذكرت أن لدي وسيلة للتواصل مع السفارة الأرجنتينية في السعودية. فطلبت منهم تحديث البيانات فحدثوها وانتهى سبب الانتظار الطويل!.

سائق التكسي يحدثني بإنجليزية ضعيفة وعاطفة شديدة عن حبه لميسي. يقول أن ميسي صنم يعبد من دون الله . وهو صادق في هذا. تحدثنا: أنا بإنجليزية أحاول جعلها إنجليزية سهلة قدر الإمكان، وهو بإنجليزية مخلوطة بكلمات أسبانية كثيرة. لكننا تواصلنا: يقول أن وصول رئيس يميني متشدد لحكم الأرجنتين دلالة على تذمر الناس من عقود من الفقر والفشل الاقتصادي. وأن الشعب الأرجنيتني يعاني من الفقر الشديد. يقول أنه درس تجارة الاستيراد والتصدير ثم وجد أنه لا تسمن ولا تغني من جوع فاتجه لسيارت الأجرة. قلت له بفخر أننا فزنا عليهم في كأس العالم. وقال لي أن ميسي يحب السعودية وهو سفير للسياحة فيها. يحاول أن يتحدث أكثر لكن الجهل باللغة عقال لا يمكن الفكاك منه. نصحني بمطعم وبدار للأوبرا. وتفرقنا.

قابلت أصدقاء من مصر ومن الخليج ومن أماكن أخرى من العالم. الخليجيون يعزفون على ذات النوتة. عزفنا سويا في مطعم مقارب عزف الجائعين، على نفس النوته. الأرجنتين تحب اللحم أكثر بقليل من المعتاد. جودة القهوة إلى هذه اللحظة أقل من المعتاد. جربتها في ثلاث أماكن مختلفة. لكنها كلها عادية أقرب ما تكون للقهوة الجاهزة. ستاربكس في كل مكان لكنني لم أزر الأرجنتين لأشرب القهوة في ستاربكس. الرياض وأبها مليئة بستاربكس. استشرنا النادل فيما يمكن أكله عنده فنصحني بطبق “الخبز الحلو”. أعدت عليه السؤال: خبر وماذا؟ قال خبز محلى ولحم بقري. وصل الطبق فلم يكن حلوا ولم يكن لحما. وكان شيئا بين اللحم والخبر. وكان في حقيقته خلطة من البنكرياس والغدة الزعترية للبقرة.

صديقي الخليجي ينظر في الخريطة نظرة واحدة ثم يلقيها ويسير سير الخبير العارف بالمكان. لم يبهرني شيء في هذه الرحلة مثل هذا الصديق الخريت. وأنا الذي ينسى القبلة إذا صعد للدور الثاني. الناس هنا طيبون بشكل عام. ولولا حاجز اللغة بيني وبينهم لطالت بيننا الأحاديث والسواليف. لديهم رغبة للمساعدة والتقدم بخطوة. الموظف في استقبال الفندق يمنحني المنح كل يوم. اسأله أين أجد مظله فيعطيني مظلة معلقة لديه. اسأله عن بقالة قريبة فيسألني إن كان هناك ما يمكن أن يقدمه لي. يقترح علي الاقتراحات والأفكار.

المدن لا تفصح عما فيها مباشرة. أنت تحتاج أشهرا من الانغماس والروتين حتى تتكشف لك المدن والأشياء. والزيارة العابرة التي تشتتها ساعات ساعات عمل أو مؤتمر توهمك بمعرفة المكان وأنت لم تعرف منه إلا القشور والزوايا الظاهرة. ولذلك لا تحاول. لن تعرف في زيارتك القصيرة ما يستحق المعرفة.

زرت مركز الملك فهد الثقافي. منارات عالية ومسجد جميل في وسط العاصمة. تحيط به حديقة جذابة وبجواره مدرسة ومكتبة ومتحف صغير. مساحة كبيرة في موقع جميل. صليت فيه المغرب مع خمسة أو ستة آخرين. شعرت مباشرة بالإنتماء عندما دخلت المسجد. انتماء لبلد عظيم وحضارة عظيمة ودين عظيم.

هذا اليوم الثالث أو الرابع في هذه الأرجنتين. انطباعي - إن كان للانطباعات قيمة - أن هذا الشعب في العاصمة بسيط وطيب. ملتزم بالنظام. هناك تقدير للمحيط والمساحة الشخصية. قلت لهم أكثر من مرة أن المنتخب السعودي فاز عليهم في كأس العالم فكانوا يضحكون. كنت استخدم لغة مزيجا من إنجليزية وأسبانية ولغة إشارة. وشم ميسي منتشر على الأجساد بين الرجال والنساء. أحداهن سألتنا من أين نحن وحين علمت، أظهرت لنا وشم ميسي على عضدها. ماردونا وميسي إلهان يعبدان كما يبدو في هذا المكان.

لا أعرف مالذي يمنح المدن حب الناس أو بغضهم. لكنني لم أشعر بالانسجام في بيونس آيرس. الجو لطيف وجميل هذه الأيام وممطر. والناس طيبون في المجمل والدنيا بخير. والقهوة في كل مكان. والبطون ممتلئة. لكن لم أنسجم مع هذه المدينة. كالعادة. أقضي أغلب وقتي بعد الانتهاء من أعمال النهار في المشي وحيدا في الطرقات. كثيرا من الأحيان بلا هدف محدد. في هذه المرة يرافقني صديقي الخليجي. ثقيل العقل ، خفيف الروح. يكبرني بعشرين سنة. استفدت منه كثيرا. استشرته في أمور متفرقة فكان رأيه مليئا بالحكمة. أقول دائما لأصحابي وأقراني: لا تنسوا العمر. حين يصر من يكبرني سنا وأثق في رجاحة عقله على رأي لا أتفق معه. أعود فأراجع نفسي لأن السنوات لا يمكن تجاهلها. هناك ما يسمى بـ”التعرف على الأنماط”. عقولنا مهيئة لإدراك أنماط متكررة من الأشياء ونتخذ الحكم مباشرة دون وعي منا. عندما أرى في عين من يسبقني خبرة وعمرا، حذرا من أمر ما. يجب أن أحذر أو اتنبه أو أتخذ خطوة للوراء. العلم وحده والقراءة لا تكفي في هذه المواقف. تقول لك الممرضة الممارسة سنوات طويلة أنها لا ترتاح لوضع هذا المريض وأنت لا ترى ما يستدعي عدم الارتياح فلا تشعر بأهمية ما تقول لك… فتسوء حالة المريض. لو عدت فسألت الممرضة ما الذي دفعك لهذا الظن ستقول: لا أعلم. أمر ستسمعه من أي طبيب خبير. اسأل أطباء العنايات المركزة عنه. سيقولون .. هناك شيء ما يشعرنا أن هذا المريض على حافة الوداع.

بين فترة وأخرى أميل للسفر وحيدا. هناك أشياء كثيرة لايمكن التحدث عنها أمام أحد. لست انعزاليا وأظن أنني قادر على التأقلم بسهولة. لكنك قد تحتاج للانغماس في لاشيء، وأن لا تسمع أي نقاش أو جدال ولا تحضر أي اجتماع ذا قيمة. تحتاج إلى مساحة للشحن والتعبئة والامتلاء من جديد. الامتلاء من الصمت والهدوء والمشي في الطرقات والتفكر في نفسك وفيما تفعل. لا تحتاج آلاف الأميال لتمتليء بكل هذا.

الناس هنا يحبون الخبز. وكل الناس تحب الخبز. أمامي الآن على الإفطار عشرات الناس: فطورهم كرواسون محلى بطبقة من السكر وقهوة. عدد من الكرواسونات على كل طاولة. لا أعرف ما هي احصائيات مرض السكر والأمراض المزمنة الأخرى هنا. لكنني لا أرى السمنة الواضحة في الشوارع كما هي في شوارع أمريكا أو السعودية. العامل الجيني وحده يقف خلف كثير من انتشار السمنة والسكري والأمراض الأخرى في شعوب دون أخرى. مثلا لا تكاد ترى السمنة في اليابان أو الشعوب الآسيوية بشكل عام. بعكس أمريكا والعالم العربي. والناس يقولون أن بيونس آيرس عاصمة سياحية بامتياز وأنا لا أكاد أرى في الشوارع إلا لاتينيا أو لاتينية.

هذا اليوم الوحيد الذي أجد لي فيه متنفسا بعد أيام لا تخلو من انشغال. ولست من هواة التسوق أو المشي في الأسواق. وآكل ما يأتي من الطعام عندما أكون وحيدا. ولن أتعنى لحضور مباراة كرة قدم. ولذلك عزمت أن أقضي هذا اليوم ماشيا ، ثم أعود لمرحلة الانتقال وترميم بعض ما تأخرت فيه من أشياء الحياة. واقفا في طابور القهوة. طابور الحياة. نظر إلي ابتسامة العارف بي. ثم قال: من أين أنت؟ بلغة انجليزية بلكنة أسبانية. قلت له: من السعودية.

قال: عرفت ذلك.

- من أين من السعودية؟

- من أبها.

- رائع جدا. عشت في السعودية تسع سنوات. كانت من أجمل السنوات. الناس طيبون والعمل طيب وأرامكو طيبة. ما زلت احتفظ بعلاقات وزملاء إلى هذا اليوم. ما الذي أتى بك إلى هنا…

إلخ

توقف الطابور لحظات. تبادلنا الحكايا العابرة. موقف يعلم كلانا أنه الأول والأخير. ثم تلاشى وتلاشيت …

رافقني في السفر كتابان. كتاب باللغة الإنجليزية عنوانه: كتاب إنجاز الأشياء: إحدى وأربعون أداة للإنجاز. كتاب لطيف جميل وجذاب. وقد كنت جالسا في مكان عام والكتاب أمامي على “الماسة”، فوقف أحدهم: بيني وبينه زجاج المكان. فحدق في وجهي ثم الكتاب. ثم تمعن في العنوان لحظات. ثم أشار لي بأصبعه الإبهام وانصرف. وقلت “ماسة” لأنها تعني طاولة باللغة الأسبانية مع إمالة الميم إمالة بينة. والكتاب الثاني لابن رشد المنطقي وعنوانه فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال. وشدني فيه تساهله رحمه الله في تكفير الناس. أحب أن يرافقني كتاب في السفر. بعض الكتب تحسن العشرة فتتحملها وتتحملك. وبعض الكتب لا تستطيع معه صبرا. فيكون الفراق بينك وبينه مبكرا. كتب السفر يجب أن تكون خفيفة المحمل. سهلة الهضم.

جالس بانتظار طائرة العودة في مقهى يقابل بقالة صغيرة. عامل البقالة يحاول تغيير الروتين. ما زال يمسح الأرض منذ أكثر من نصف ساعة. يمرر الممسحة مرة باتجاه اليمين ومرة بإتجاه اليسار. يبدو أن زوار البقالة قليل هذا اليوم. أنا سأعود للروتين بعد ساعات. يجب أن يشكر الإنسان الله دائما على نعمة الروتين. نعمة الانشغال. لا تتذمر كثيرا من شغلك ما استطعت. لا شيء أقسى من الشغل القاسي إلا الفراغ.

شدني في أهل الأرجنتين التورع عن فضول النظر. عندي عادة تأمل كيف يرى الناس بعضهم بعضا في الأماكن العامة. فلا تكاد ترى أحدهم يصرف نظره عن شأنه. لا أدري عن دقة هذه الملاحظة لكنه شيء رأيته في أيامي القليلة الماضية. والمدن الكبيرة “العصرية” متشابهة جدا. ليس فيها مختلف. في النهار مطاعم ومقاهي وأسواق. نسخ مكررة. حتى الطبيعة تختفي خلف هذه الأشياء. الجميع يسمع أغان إنجليزية. ولذلك بدأت أعاف المدن الكبيرة وأميل للمدن النائية المنسية. في الليل مطاعم وأسواق وحانات. خيارات كلها لا تصلح لي. لا يسافر العاقل ليأكل. ولا يسافر العاقل ليتسوق. والمسلم -والعاقل كذلك- لا يطرق الحانات. ولذلك أجدني أحيانا حين يطول السفر لسبب ما: أشتاق لروتين العمل ، وللإنشغال بالتفاصيل اليومية. بالنقاشات والأحاديث المفيدة والتي لا تفيد. للجدال العقيم. للمشوار الروتيني الذي بلا هدف. لمقابلة الطلاب والمرضى والزملاء. المطعم الذي على الزاوية يطهو اللحم على الفحم. والذي يليه على شواية كهربائية. والذي بعدهما يقدم اللحم في صحن من رخام. والذي في الزاوية الأخرى في طبق من زجاج.

أعود فأقرأ ما كتبت خلال الأيام الماضية فأجد نفسي كتبت عن أشياء كثيرة ومختلفة. شتات من خواطر وأفكار لم تكن الأرجنتين محورها. أحيانا تجد نفسك بحاجة للكتابة فتبحث عن شيء يدعوك لها. قرأت في سفري هذا ثلاثة كتب. كتابين ذكرتهما والثالث عن تشكل الشرق الأوسط. وتحديدا العراق والأردن وفلسطين. اسم الكتاب: مؤتمر القاهرة ١٩٢١ م: قصة العشرة أيام التي شكلت الشرق الأوسط. جهد ضخم لمؤلفه الكندي وجهد لا يقل ضخامة للمترجم. المترجم اسمه: أحمد العبدة. من فترة لم أمسك كتابا وأفرغ منه في جلستين أو ثلاث دون انقطاع. لعل هذا من حسنات انقطاع الأنترنت وغياب الإشعارات. وتستمر الحياة …

شوال ١٤٤٥ هـ - بيونس آيرس

سبعة كتب - ١٠

 


خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.





١) الدرة اليتيمة - ابن المقفع  

القراءة لهذا الرجل من أمتع المتع. سهل ممتنع وبيان بلا تكلف. وحكمة عظيمة. وله إلى كل مغلق من المعاني مفتاح لا يملكه غيره. سمعت جزءا من الكتاب على بودكاست منصت ثم أكملت الباقي قراءة والكتاب متوفر على موقع هنداوي وهو كتاب صغير لكنه مليء بالحكمة والعلم والأدب. 


٢) أنثى لرجل واحد

في السنوات الأخير صرت أقتني الرواية بعناية. ولا يمكن لأي رواية أن تصل إلى يدي بلا فلاتر وتوصيات ممن أثق بهم. اليوم وقعت يدي على هذه الرواية التي وجدتها في ممر المستشفى. وهي رواية من روايات المراهقات لا تصلح لأحد. طبعتها دار مدارك وقد كنت أحسن الظن بالدار. على الأقل في الذوق الأدبي أما القيمة والأخلاق فصعب احسان الظن بأي أحد هذه الأيام. المهم من كل هذا إذا وجدت هذه الرواية في طريقك فأعرض عنها. 


٣) سجن العمر - توفيق الحكيم

مذكرات كتبها توفيق الحكيم عن حياته وأمه وأبيه. قصيرة في ١٣٠ صفحة ومتوفرة على الإنترنت الاقتناء مجانا. فيها كثير مما يشجي وكثير مما يضحك. يضحك ويشجي لأنه ينقل صورة الإنسان لنفسه. حكي قصة أبيه مع البناء والتعديلات في المنزل. وهي حالة متطرفة لما يصيب كل أب من مواهب وميول مؤقتة. وكان لي قريب فعل ذات الشيء أو قريبا منه وكأن توفيق الحكيم يحكي قصته بالتمام. رحمهم الله جميعا. 


٤) لاشيء-جين تيلر

رواية قصيرة لراوئية دنماركية معاصرة. فكرتها تقوم حول طلاب في مدرسة ابتدائية. أحدهم آمن مبكرا بعبثية الحياة وأنه لا شيء يستحق وسكن على شجرة في طريق زملائه السابقين يعيرهم ويثني عزائمهم. قرر الأطفال قرارا بفعل كل شيء لإثبات أن الحياة تستحق وأن هناك معنى نعيش من أجله. فكدسوا الأشياء القيمة لديهم على شكل كومة أسموها كومة المعنى. وانتهت القصة بمقتل الفتى المشاغب لأن حتى الكومة فقدت قيمتها مع مرور الوقت. كأن الرواية تقول أن المعنى غير موجود في عدمية على شكل قصة. 



٥-عِبر التاريخ - ويل ديورانت 

كتاب صغير يكتب فيه ديورانت العبر من التاريخ وأثر الأشياء في التاريخ. كالدين والاقتصاد والآدب والسياسة والأخلاق.. إلخ. والمؤلف هو صاحب قصة الحضارة وقصة تأليفه للكتاب هو وزوجته مثال للجلد والاستمرار العظيم. 


٦-طوق الحمامة - ابن حزم 

من فترة طويلة وهذا الكتاب على قائمة الكتب. وابن حزم رحمه كان صاحب قلب أخضر لكنه قلب مؤمن عفيف. ولا يمكن لقلب مثله إلا أن يكون عفيفا. يتنقل في كتابه في فصول حول الحب وأنواعه وأشكاله. والوصل والهجر والعشق والوله. وفيه أشعار جميلة. وابن حزم شاعر كذلك. وشعره شعر فقيه أديب. يغلب الأديب أحيانا فتجد فيه ما يعجبك. 


٧- تهذيب الحيوان للجاحظ - تهذيب عبدالسلام هارون: 

للجاحظ أسلوب يصعب على غيره. سهل ممتنع. اقرأ رسائل الجاحظ والبيان والتبيين لترى علو البيان والفصاحة مع سهولة ويسر. 

وفي هذا التهذيب لكتاب الحيوان الكبير. منفذ إلى أسلوب الجاحظ. ومن للجاحظ غير عبدالسلام هارون. 



أبها - شعبان - ١٤٤٥ هـ 

سبعة كتب - ١
سبعة كتب - ٢
سبعة كتب - ٣

سبعة كتب - ٤

سبعة كتب - ٥

سبعة كتب - ٦

سبعة كتب - ٧

 سبعة كتب - ٨

سبعة كتب - ٩